عبد الملك الجويني
49
نهاية المطلب في دراية المذهب
بمثابة قولنا في المرض الذي يجوز الإفطار به في نهار رمضان ، وقد ذكرنا أنا لا نرعى فيما يجوز الإفطار به الخوفَ ؛ لأنه قرينة السفر ، كذلك لشاهد الأصل أن يمتنع لعذر السفر . فالذي يجب تحصيله أن ينال المريض مشقةٌ ظاهرة ، وألمٌ مُقلق يعسر الاستقلال بحمله . هذا قولنا في المرض . وكل ما يجوز ترك الجمعة به من خوفٍ من غريم أو ما في معناه ، فيجوز الامتناع عن الحضور بمثله . فإذا تمهّد ما ذكرناه ، فقد أطلق الأصحاب أن الفروع يشهدون ، وكان من الممكن أن يحضر القاضي مكان شاهد الأصل ، ويُصغي إلى شهادته ؛ ولكن لم أر أحداً من أصحابنا يُلزم ذلك ، أو يُشبّب بذكر خلافٍ فيه ، وكذلك لم يوجبوا أن يستخلف ( 1 ) من يحضر شاهدَ الأصل . وإذا وقفت القضية ( 2 ) على الإشارة إلى عينٍ ، فعلى القاضي أن يَحْضُرَها ( 3 لتمييز الشهود ، أو يستخلف من يحضرها 3 ) لذلك ، والسبب فيه أن القضاء غير ممكن من غير تعيين ، وفي ترك الحضور تعطيل الحكم . وامتناعُه عن سماع شهادة الفروع مع حضور الأصول من باب الاحتياط ، وإلا إذا كان الفروع عدولاً ، فتحصل الثقة بنقلهم ، فلا نكلف القاضيَ الترددَ على الدورِ والمساكن ، مع ما فيه من التبذل وحطّ منصب الولاية لمكان الاحتياط . ولا خلاف أن رواية الراوي مقبولةٌ ، وشيخُه في البلد ، وكل ما لم يثبت فيه توقيفٌ شرعي تعبدي يميّز الشهادة فيه عن الرواية ، فلا يبعد في وجه الرأي التسويةُ بينهما . والقدر الثابت أن شهادة الفروع مقيدة بحال عذرٍ يطرأ على الأصل ، فهذا منتهى الغرض في ذلك ، لم يتعدّه حفظي ونظري .
--> ( 1 ) يستخلف : أي لا يجب على القاضي أن يستخلف نائباً عنه يحضر شاهدَ المريض ليسمع شهادته . ( 2 ) في ( ت 5 ) : " الفقيه " . ( 3 ) ما بين القوسين ساقط من ( ت 5 ) .